العيني

12

عمدة القاري

لا صلاة ، نفي بمعنى النهي أي : لا تصلوا إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب ، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، مرفوعا : ( لا صلاة بحضرة الطعام . . . ) فإنه في ( صحيح ابن حبان ) بلفظ : ( لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام ) . قلت : تنظيره بحديث مسلم غير صحيح ، لأن لفظ حديث ابن حبان غير نهي بل هو نفي الغائب ، وكلامه يدل على أنه لا يعرف الفرق بين النفي والنهي . وقال أيضا : استدل من أسقطها أي : من أسقط قراءة الفاتحة عن المأموم مطلقا يعني أسر الإمام أو جهر كالحنفية بحديث : ( من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام قراءة له ) ، لكنه حديث ضعيف عند الحفاظ ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره . قلت : هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة وهم : جابر بن عبد الله وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس وأنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنهم . فحديث جابر أخرجه ابن ماجة عنه قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( من كان له إمام فإن قراءة الإمام قراءة له ) . وحديث ابن عمر أخرجه الدارقطني في سننه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) . وحديث أبي سعيد أخرجه الطبراني في ( الأوسط ) عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) . وحديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني في ( سننه ) من حديث سهل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا نحوه سواء . وحديث ابن عباس أخرجه الدارقطني أيضا عنه عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( يكفيك قراءة الإمام خافت أو جهر ) . وحديث أنس أخرجه ابن حبان في ( كتاب الضعفاء ) : عن غنيم بن سالم عن أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) ، . فإن قلت : في حديث جابر بن عبد الله جابر الجعفي وهو مجروح ، كذبه أبو حنيفة وغيره ، وفي حديث أبي سعيد إسماعيل بن عمر بن نجيح وهو ضعيف ، وحديث ابن عمر موقوف ، قال الدارقطني : رفعه وهم ؛ وحديث ابن عباس عن أحمد هو حديث منكر : وقال الدارقطني حديث أبي هريرة لا يصح عن سهيل ، وتفرد به محمد بن عباد وهو ضعيف ، وفي حديث أنس غنيم بن سالم قال ابن حبان : هو مخالف الثقات في الروايات فلا تعجبني الرواية عنه ، فكيف الاحتجاج ؟ قلت : أما حديث جابر فله طرق أخرى يشد بعضها بعضا : منها طريق صحيح ، وهو ما رواه محمد بن الحسن في ( الموطأ ) عن أبي حنيفة ، قال : أخبرنا الإمام أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة ) . فإن قلت : هذا حديث أخرجه الدارقطني في ( سننه ) ثم البيهقي عن أبي حنيفة مقرونا بالحسن بن عمارة وعن الحسن بن عمارة وحده بالإسناد المذكور ، ثم قال : هذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة وهما ضعيفان ، وقد رواه سفيان الثوري وأبو الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وأبو خالد الدالاني وسفيان بن عيينة وغيرهم عن أبي الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مرسلاً ، وهو الصواب . قلت : لو تأدب الدارقطني واستحيى لما تلفظ بهذه اللفظة في حق أبي حنيفة فإنه إمام طبق علمه الشرق والغرب ، ولما سئل ابن معين عنه فقال : ثقة مأمون ما سمعت أحدا ضعفه ، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث وشعبة شعبة . وقال أيضا : كان أبو حنيفة ثقة من أهل الدين والصدق ولم يتهم بالكذب ، وكان مأمونا على دين الله تعالى ، صدوقا في الحديث ، وأثنى عليه جماعة من الأئمة الكبار مثل عبد الله بن المبارك ، ويعد من أصحابه ، وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد الرزاق ووكيع ، وكان يفتي برأيه والأئمة الثلاثة : مالك والشافعي وأحمد وآخرون كثيرون ، وقد ظهر لك من هذا تحامل الدارقطني عليه وتعصبه الفاسد ، وليس له مقدار بالنسبة إلى هؤلاء حتى يتكلم في إمام متقدم على هؤلاء في الدين والتقوى والعلم ، وبتضعيفه إياه يستحق هو التضعيف ، أفلا يرضى بسكوت أصحابه عنه وقد روى في ( سننه ) أحاديث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة ؟ ولقد روى أحاديث ضعيفة في كتابه ( الجهر بالبسملة ) واحتج بها مع علمه بذلك ، حتى إن بعضهم استحلفه على ذلك فقال : ليس فيه حديث صحيح . ولقد صدق القائل : * حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالقوم أعداء له وخصوم *